مجلس الاحتياط الفيديرالي يتدخل لحماية المحرك الأكبر للنمو في العالم

هل دخل الاقتصاد الأميركي فعلاً في ركود؟

Antoine Khoury, Economics Editor.

أنطوان خوري، 4 شباط (فبراير) 2008.

في محاولة لدرء خطر الركود عن أكبر اقتصاد في العالم،  والمحرك الأكبر للنمو الاقتصادي فيه، أعلن مجلس الاحتياط الفيديرالي (البنك المركزي الأميركي) في 30 كانون الثاني (يناير) الماضي خفضاً جديداً لأسعار الفائدة في الولايات المتحدة، لكن بنسبة نصف في المئة هذه المرة إلى 3 في المئة. وأثارت هذه الخطوة ارتياحاً في الأسواق، مستعيدةً بعض الثقة في سياسات مجلس الاحتياط، الذي اتُهم أخيراً بأنه كان في حال ارتباك ازاء التراجعات الحادة في أسواق الأسهم.

وفي نيويورك، ارتفعت أسعار الأسهم في وول ستريت يوم الجمعة، بعد تبدد القلق لدى المستثمرين في شأن الإحصاءات الأخيرة عن البطالة، والذين ركّزوا في المقابل على نبأ عرض شراء "ياهو" من قبل "مايكروسوفت". وأغلق مؤشر "داو جونز" الصناعي عند 12743.20 نقطة، بارتفاع 92.80 نقطة.

 وهذا ثاني خفض للفائدة في ثمانية أيام. وقال رئيس مجلس الاحتياط، بن برنانكي، ان هناك مجالاً لخفض آخر إذا دعت الضرورة، ما فسّره متتبعو وول ستريت بأنه إشارة لخفض جديد بنسبة نصف نقطة سيُعلن في الأسابيع القليلة المقبلة.

يُذكر ان مجلس الاحتياط كان خفض الفائدة بنسبة 0.75 في المئة في 22 الشهر الماضي، في أكبر نسبة خفض منذ 26 عاماً، وصفت آنذاك بأنها "جرعة فيتامين نقدي".

أسعار الفائدة في بريطانيا

لندن – تجاوب مؤشر "فايننشال تايمز" البريطاني للأسهم الـ100 الرئيسية، مع انتعاش وول ستريت، ليقفل الجمعة عند أعلى مستوى له منذ منتصف الشهر الماضي، مغلقاً فوق مستوى 6 آلاف نقطة، وسط توقّعات أيضاً باحتمال قيام البنك المركزي البريطاني (بنك اوف إنغلند)، الأسبوع الجاري، بخفض أسعار الفائدة في بريطانيا، من 5.5 في المئة الى 5.25 في المئة، ما سينعكس إيجاباً على سوق الأسهم البريطانية. ويشير محلّلون الى أن الخفض الذي قد يعلن يوم الخميس قد يكون ربما بنسبة نصف نقطة مئوية، بينما يعتقد آخرون أن أسعار الفائدة الأساسية في بريطانيا يتوقّع أن تواصل انحدارها إلى 4.5 في المئة السنة الجارية.

ويُشار الى ان برنانكي كان من المعتقدين بأن أزمة القروض العقارية، التي انكشفت الصيف الماضي، لن يكون لها تأثير مباشر على الاقتصاد. غير ان الخفض المفاجىء والحاد، مرتين خلال ثمانية أيام، يدل على ان رئيس مجلس الاحتياط بدّل نظرته هذه.

صحيح ان لجنة السوق المفتوحة، وهي الأداة المقرِّرة  لسياسة الفوائد في مجلس الاحتياط، كانت اطّلعت – خلال اجتماعها وقبل أن تقرر خفض الفائدة - على إحصاءات النمو للربع الأخير من 2007، والتي لم تكن مطابقة لتوقعات الأسواق، حيث جاءت عند نسبة 0.6 في المئة مقابل توقعات بنمو 1.2 في المئة. إلا ان هذه الأرقام غير المشجعة لم تكن، حسب عدد من المحلّلين، الحافز وراء خفض الفائدة، مرة اولى في 22 كانون الثاني (يناير) (0.75 %) ومرة ثانية في 30 منه (0.5%). بل ان الخفض سببه طمأنة الأسواق، لا أكثر ولا أقل، على حد قول هؤلاء المحلّلين.

وتخشى الأسواق من أن يؤدي أي تفاقم لأزمة القروض العقارية إلى تدهور سريع لقطاع الاسكان، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر سلباً على الإنفاق الاستهلاكي.

جهود مجلس الاحتياط والكونغرس

وبموازاة جهود مجلس الاحتياط، دعا الرئيس الأميركي جورج بوش، السبت، الكونغرس الى المصادقة على برنامج إنقاذ اقتصادي، مشيراً الى ان التقرير الأخير لوزارة العمل عن البطالة الذي يظهر خسارة 17 ألف فرصة عمل في كانون الثاني (يناير) الماضي، "إشارة مقلقة" جديدة الى تعثر في الاقتصاد. وقد خفّض أصحاب العمل في الولايات المتحدة عدد ما يسمى بـ"الوظائف "غير الزراعية" بمقدار 17 ألف وظيفة، في أول انخفاض - غير متوقع - لفرص العمل منذ آب (أغسطس) 2003.

ودفعت هذه الأرقام، بالإضافة الى الأرقام عن إجمالي الناتج المحلي بأن الاقتصاد نما بنسبة 0.6 في المئة فقط في الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2007، المحلّلين إلى القول ان الاقتصاد الأميركي دخل فعلاً مرحلة ركود. وبالنسبة لعام 2007 بأكمله، سجّل الاقتصاد نمواً بنسبة 2.5 في المئة، في مقابل 2.6 في المئة في 2006.

وينزلق أي اقتصاد في ركود، إن أظهرت الإحصاءات نمواً سلبياً لإجمالي الناتج المحلي في ربعين متتاليين.

وقد أثّرت احتمالات خفض جديد محتمل للفائدة الأميركية قريباً، بالإضافة الى إحصاءات تشير إلى تباطؤ الاقتصاد الأميركي، سلباً ايضاً على الدولار، ما دفع حكومة قطر أخيراً الى القول انها قد تتخلى عن ارتباط عملتها بالدولار في الأمد البعيد.

صندوق النقد الدولي

وجاءت الخطوة الأخيرة لمجلس الاحتياط بعد يوم من إعلان صندوق النقد الدولي خفض توقعاته للنمو العالمي للسنة الجارية، محذراً من انتقال عدوى أزمة الرهون العقارية المستمرة منذ 6 أشهر في الولايات المتحدة، لتطال الاقتصاد العالمي.

وتوقّع الصندوق أن يشهد العالم أضعف نسبة توسع منذ عام 2003، موضحاً ان معايير الإقراض المشدّدة نتيجة أزمة القروض العقارية في الولايات المتحدة تهدّد بالتأثير على إنفاق المستهلكين في الغرب، الأمر الذي ينعكس بدوره على اقتصادات آسيا المعتمدة إلى حد كبير على قطاع التصدير.

وذكر الصندوق ان التوترات في الأسواق والناجمة عن القروض العقارية المصنّفة بأنها عالية المخاطر قد تفاقمت، في الوقت الذي عكس الانخفاض الحاد في الأسواق العالمية أخيراً حال عدم الأستقرار المتزايد.   

وقد خفّض صندوق النقد توقّعاته للنمو العالمي لسنة 2008 مرتين في ثلاثة أشهر. ففي تشرين الأول (اكتوبر) 2007 توقّع الصندوق نمواً بنسبة 4.8 في المئة للسنة الجارية، في استمرار لأطول نسبة نمو متواصل منذ نحو أربعة عقود، غير انه تراجع عن توقّعه هذا، مخفّضاً إياه إلى 4.4 في المئة (بعد استنتاجه ان التضخم الأعلى من المتوقع في الاقتصادات الناشئة الكبرى، مثل الهند والصين، يعني  ان النمو لم يكن بالسرعة المرجوة)، ليخفض توقعاته الآن إلى 4.1 في المئة.

ولفت الى ان خفض توقعات النمو تشمل التكتلات الاقتصادية الثلاث الكبرى في الغرب، وهي الولايات المتحدة، منطقة اليورو واليابان. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو إجمالي الناتج المحلي الأميركي بنسبة 1.5 في المئة في 2008، بانخفاض نسبته 0.4 في المئة عن التوقعات المعلنة في تشرين الأول (اكتوبر) 2007، فيما يتوقع أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو بما نسبته 1.6 في المئة، مقابل التوقعات السابقة بنمو نسبته 2.1 في المئة، والاقتصاد الياباني بنسبة 1.5 في المئة، مقابل 1.7 في المئة في تشرين الأول.

ضربات استباقية

ويخشى محلّلون أن يكون الاقتصاد الأميركي قد دخل فعلاً مرحلة ركود، على رغم جرعات الدواء المتتالية والاستباقية التي يصفها مجلس الاحتياط الفيديرالي لمنع أكبر اقتصاد في العالم من السقوط في براثن الكساد. ويشيرون إلى تبدل سياسة برنانكي من الحذر الشديد منذ تسلمه رئاسة البنك المركزي خلفاً لألن غرينسبان، إلى ما تشهده الأسواق الآن من خطوات جريئة، هي الأكثر هجومية منذ الثمانينات من القرن الماضي، حيث أن مجلس الاحتياط خفّض أسعار الفائدة بـما مجموعه 2.25 في المئة في الأشهر الأربعة الماضية، إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2005.

وقال مجلس الاحتياط في بيانه الأخير ان الاقتصاد الأميركي لا يزال عرضة لـ"مخاطر نزولية"، معتبراً ان التخفيضات المتتالية في أسعار الفائدة يتوقع أن تساعد على التقليل من تلك المخاطر.

معظم الاقتصادات لا يزال يسجّل نمواً

وفي الوقت الذي يعتقد عدد كبير من المحلّلين ان الولايات المتحدة قد دخلت فعلاً الآن في مرحلة ركود، إلا ان البعض منهم يشير إلى أن هبوط الأسواق في الفترة الأخيرة " لم يكن نهاية العالم"- ولو ان المتشائمين يحبون تكرار القول المأثور لجون ماينارد كينز: "في الأمد البعيد، كلنا أموات- إذ ان معظم الاقتصادات لا يزال يسجّل نمواً، فيما الصناديق السيادية لا تزال تستثمر، مستفيدةّ من الفرص المتاحة أمامها، غير عابئة بتشاؤم المحلّلين.

وربما الكلمة الفصل لا تزال لغرينسبان الذي صرح أخيراً، وبأسلوبه الغامض المعتاد، أن فرص الوقوع في الركود أكبر من نسبةً 50-50 مع ما يحمل ذلك من معنى أو لا يحمل. ومن المؤكد ان سنة 2008 قد تشهد بعض العناوين الصاخبة، الاقتصادية منها (على غرار فضيحة التداول في "سوسييتيه جنرال" أخيراً) والسياسية (من وحي الانتخابات الرئاسية الأميركية)، لكن النظام المالي لا يوشك على الانهيار، وكل ما هنالك ان المستثمرين، الأسواق، أصحاب الشركات، وحتى مشرعي القوانين، يدركون من وقت لآخر، أو يتنبهون إلى أن الاسواق ليست دوماً في اتجاه واحد أو خالية من المخاطر. 


Content of this page may not be reproduced without our prior written consent (authorised pages are clearly marked with green)