حل أزمة الغذاء العالمية بمنع المضاربات
ووقف إستخدامه لإنتاج الوقود الحيوي

أنطوان خوري، 26 نيسان (أبريل) 2008، أحدث تعديل في 27 منه.

بانتظار ما ستسفر عنه الاجتماعات الدولية المقررة الأسبوع المقبل في بيرن (سويسرا)، لمناقشة أزمة الغذاء العالمية، ويشارك فيها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، رئيس البنك الدولي روبرت زوليك، المدير العام لمنظمة الزراعة والأغذية (فاو) جاك ضيوف، والمديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي جوزيت شيران، يقترح محلّلون ثلاث خطوات يمكن أن تشكّل مدخلاً لحل:

1 - منع المضاربات بالسلع الغذائية في أسواق السلع، أو على الأقل فرض قيود على التداول بها، فهي سلعاً حقيقية وليست أرقاماً على لوحة الكترونية.
2 – وقف استخدام سلع غذائية أساسية كالحبوب لإنتاج الوقود الحيوي، ووقف الخطط لجعله مصدراً رئيسياً للطاقة.
3 – دفع صندوق النقد الدولي إلى وقف برامج الهيكلة "العقابية" التي يفرضها على دول فقيرة عدة، أو على الأقل تجميدها.

وقد حذّر برنامج الغذاء العالمي من أن 100 مليون شخص (أ ف ب) ممن لم يكونوا بحاجة إلى معونات في السابق، لا يستطيعون اليوم شراء الغذاء.

ويشير المراقبون إلى السرعة التي تكشفت فيها الأزمة. ففي الوقت الذي كان الخبراء لا يزالون منشغلين بأزمة الرهون العقارية وتداعياتها على الاقتصاد العالمي، فوجىء العالم منذ أسابيع قليلة بأزمة – كانت المؤشرات إليها قد بدأت منذ فترة غير قصيرة – أزمة غذاء "غير مسبوقة" تنذر بعواقب وخيمة على الاستقرار في ما لا يقل عن 35 دولة، وفقاً للأمم المتحدة. 

ما هي أسباب هذه الأزمة الناجمة عن ارتفاع أسعار عدد كبير من السلع الغذائية الأساسية؟ وما هي درجة خطورتها على السلام والأمن العالميين، خصوصاً وانها تتزامن مع تداعيات الأزمة النقدية العالمية الناتجة عن أزمة الرهون العقارية، ومع الارتفاع غير الطبيعي لأسعار النفط.

المحلّلون وهم كثر هذه الأيام، خصوصاً على الفضائيات العربية، يشيرون بأصابع الاتهام الى المشتبه به الدائم بالنسبة إليهم، أي الولايات المتحدة، حيث يعتبرون أن التوجه الأميركي نحو زيادة استعمال الوقود الحيوي بنسب متوقّع لها أن ترتفع سنة بعد سنة، هو السبب الرئيسي للنقص الحاصل في المحاصيل الزراعية، وبالتالي لارتفاع الأسعار عالمياً.

لحسن حظ هؤلاء "الخبراء"، بدأ يثبت أن ذلك صحيح، ونسبة الزيادة في استعمال هذا النوع من الوقود مرشحة للارتفاع عالمياً، خصوصاً مع دخول الاتحاد الاوروبي على خط هذه الزيادة باستهدافه نسبة نحو 6 في المئة للسنوات الثلاث المقبلة.

لكن ينسى هؤلاء الخبراء، أو يتناسون، أن أسعار النفط قد تضاعفت نحو خمس مرات منذ عام 2003. وقد أدى هذا الارتفاع المتواصل إلى تزايد تكاليف الشحن، بالإضافة إلى اضطرار دول عدة إلى تحويل أموال مخصّصة أصلاً لدعم المواد الغذائية الأساسية إلى فاتورة النفط المتصاعدة. كما ان ارتفاع أسعار النفط وإدمان الدول الصناعية على استهلاكه، عاملان رئيسان في رغبة هذه الدول في زيادة إنتاج الوقود الحيوي. 

لذا هل من الصحي أن يكون سعر النفط عند 120 دولاراً للبرميل (السعر لامس هذا المستوى الجمعة 25 نيسان/ أبريل)، أم أنه من المنطقي أكثر أن يكون عند مستويات تراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل، كما تتوقع دار الوساطة "ليمان براذرز" (في تقرير جديد) أن يكون بحلول سنة 2010؟ من المسؤول عن ذلك؟ 

لقد أعلنت "اوبك" الأسبوع الجاري، عندما كان النفط عند مستوى 117 دولاراً للبرميل، انها لا تستطيع فعل الكثير للجم الأسعار، ملقيةً باللوم على المضاربين. وفي أحد الردود على ذلك، أعربت صحيفة "غارديان" البريطانية عن رأي مغاير أخيراً، عندما قالت ان بيان "اوبك" هذا "كان مضللاً، حيث ان المنظمة تستطيع القيام بخطوة بسيطة، ألا وهي ضخ المزيد من النفط. صحيح ان هناك بعض الشكوك حول مإذا كانت الحقول السعودية قادرة على زيادة الانتاج في الوقت الراهن، لكن هذه مسألة منفصلة تماماً. الواقع ان اوبك اختارت أن لا تحاول (ضخ المزيد)"، وفقاً للصحيفة.

ومن العوامل الاخرى التي تساهم في تأجيج الأزمة الحالية، تزايد الطلب على الحبوب في الصين لأغراض العلف الحيواني، وذلك بعد تزايد الطلب على اللحوم مع ارتفاع مستويات المعيشة، وكذلك الجفاف المستمر في استراليا منذ ثلاث سنوات. 
ومنذ كانون الثاني (يناير) 2007، تضاعف سعر القمح مرتين ونصف المرة، فيما تضاعف سعر الرز ثلاث مرات.

وقد توقّعت الأمم المتحدة أخيراً وقوع "مجازر إن لم يتم وضع حد لسياسة اعتماد الوقود الحيوي"، علماً ان الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي هي المعنية في هذا الاتهام. وذهبت صحيفة "ذي إندبندنت" الليبرالية البريطانية، في عرضٍ للأزمة أخيراً، إلى حد وصف خطر المجاعة الناجم عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية، بأنه قد يصبح الأزمة الأكبر التي يواجهها العالم في القرن الـ21، خصوصاً مع تزايد سكان الأرض بواقع 70 مليون نسمة سنوياً.

وبالفعل، فإن دولاً عدة شهدت اضطرابات سببها غلاء أسعار المواد الأساسية، أو فقدانها من الأسواق، بينها هايتي، بوركينا فاسو، النيجر الكاميرون، السنغال، ساحل العاج، المغرب، مصر والمكسيك.

وتشير "فاو" إلى أن الاضطرابات شملت 35 دولة، فيما يحذر برنامج الغذاء العالمي من أن ارتفاع الأسعار سيضطره إلى خفض الوجبات الغذائية الذي يقدمها إلى 74 مليون شخص في 78 دولة في أنحاء العالم.

ولم تنجو الدول الغنية من الارتفاع السريع لبعض السلع كالخبز في بريطانيا، والباستا (!) في إيطاليا وسلع رئيسية اخرى في فرنسا، اليابان، استراليا وغيرها.

من جهتها، شبّهت المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي، جوزيت شيران، الأزمة الحالية بموجة الـ"تسونامي" التي اجتاحت مدناً عدة على المحيط الهندي أواخر 2004 وأدت إلى مقتل 250 ألف شخص وشردت عشرة ملايين آخرين.

وقال أحد كتاب صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية معلقاً على الأزمة الراهنة: "إننا نقود (السيارات) وهم يحتضرون (من الجوع)"، في إشارة إلى زيادة الاعتماد أكثر فأكثر على الوقود الحيوي، بهدف تخفيف الاعتماد على النفط.

وتشير الأمم المتحدة إلى ان إنتاج 50 ليتراً فقط من الإيثانول يحتاج إلى 232 كلغ من الذرة، أي ما يكفي لسد رمق طفل لمدة 12 شهراً.

وفي أعقاب الأحداث التي شهدتها دول عدة في الأسابيع القليلة الماضية، نتيجة النقص في المواد الغذائية الأساسية، قال المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة، جاك ضيوف: "حقيقة الأمر، أن هناك أناساً يموتون الآن ( نتيجة أزمة الغذاء الراهنة). من الطبيعي جداً أن الناس لن ينتظروا الموت من الجوع، وسيتحركون".

ويحذر ضيوف من أن مخزون الحبوب العالمي قد هبط إلى 5 ملايين طن، وهو أدنى مستوى له منذ 25 عاماً. كما ان الولايات المتحدة وهي من أكبر الدول المنتجة للغذاء، ستحوّل في 2008 ما يصل إلى 18 في المئة من إنتاجها من الحبوب إلى إيثانول. وهذه النسبة مستهدف لها أن تتضاعف في السنوات القليلة المقبلة.

إذن، يترقب العالم ما ستؤول إليه اجتماعات القمة الغذائية، برئاسة بان كي مون. وفي انتظار ذلك، يقترح مراقبون خطوة اخرى على طريق الحل، بالإضافة إلى الخطوات الواردة سابقاً، وهي التفكير جدياً في استخدام الأغذية المعدّلة وراثياً. غير أن الدراسات المستقلة حول فوائد ومخاطر هذه الأغذية لا تزال قليلة أو في بداياتها.

* في سوق "شيكاغو بورد اوف تريد" (سي بي او تي)، أغلق سعر القمح في العقود الآجلة تسليم أيار (مايو)، الجمعة 25 نيسان (أبريل) عند 8.16 دولار للبوشل (مكيال للحبوب يعادل 8 غالونات)، فيما أغلقت الذرة تسليم أيار كذلك عند 5.86 دولار للبوشل، بينما تم تسعير الرز التايلندي الأبيض القياس عند 1000 دولار للطن.


Content of this page may not be reproduced without our prior written consent (authorised pages are clearly marked with green)