الأردن: نمو السوق ونمو العقار

عمّان، 2 نيسان (أبريل) 2008، المحامي غسان معمّر:

Construction growth in Jordan. Article by Ghassan Muammar, business and corporate lawyer in Jordan since 1988.

قفزات النمو العقاري في الأردن أدت إلى تغليب حصة قطاعه في إجمالي الناتج. ء

للعقار قوة اقتصادية خاصة تميّزه عن بقية أدوات التعامل الاقتصادي، لأسباب تعود إلى ذاتيته التي يصعب الانتقاص أو التقليل منها. وقد عمدت الدول عامة إلى الاحتفاظ بالثروة العقارية ملكاً لمواطنيها ما لم تكن ضرورة تمليكها لغيرهم أكثر مردوداً عليها من ذلك الاحتفاظ. 

ولا شك أن الأردن كان من أكثر الدول اهتماماً في تقييد التعامل بالثروة العقارية نحو الخارج، وذلك تقديراً منه لأهمية العقار النسبية على مجمل نشاطه الاقتصادي. وقد تعزّز هذا الاهتمام بظروف الأردن السياسية على مدار عدد من العقود، بالإضافة إلى تأثره المباشر بمحيطه العربي وما أصاب المنطقة من أزمات وحروب أسبغت على الأردن أهمية اقتصادية خاصة إمتاز بها دون عدد من دول المنطقة.

وقد شهد النمو العقاري قفزات كبيرة إثر أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) في مطلع هذا القرن، ما أدى إلى تغليب حصة القطاع العقاري في إجمالي الناتج  على حساب العديد من القطاعات الاخرى، حتى باتت جدوى المشاريع الاقتصادية بمجملها موقوفة من حيث النتيجة على استبعاد خيار الاستثمار في القطاع العقاري، الأكثر مردوداً وأمناً وضماناً من أي استثمار آخر.

مثل هذا التباين الواسع في جدوى الاستثمار العقاري قياساً على غيره من القطاعات حمل في طيه نذر انكماش وتراجع في بنية السوق الاقتصادية ككل، كما دفع العديد من المستثمرين إلى سحب استثماراتهم من قطاعات باتوا يرونها أقل ضماناً لأموالهم إلى قطاع أكثر ضماناً وعائداً لهم بكل المقاييس.

وبفعل هذا الاختلال في معادلة السوق ككل، عاجل الأردن إلى العمل على تشجيع القطاعات غير العقارية أملاً في إعادة حالة التوازن إلى السوق وتحسباً لمخاطر الارتهان إلى السوق العقارية بالمطلق. وقد شهدت الحالة السياحية تحسناً ملحوظاً في السنوات الأخيرة وإن أقل بكثير عما كان يفترض أن تكون عليه في ظل ظروف أكثر توازناً. وقد سعت السوق المحلية، في سياق إعادة التوازن إلى حالها، إلى تحرير سياسات التمويل لصالح قطاع الأسهم والمحافظ المالية، حتى بات الحديث عن قطاعات الأسهم وأسواق المال أكثر اجتذاباً لحديث العامة في معظم مناسباته.  

ولم يقتصر تأثير النمو العقاري في الأردن على مؤشرات الاقتصاد الكلي، بل أخذ ينسحب تأثيره على حياة المواطن اليومية عبر موجات غلاء متتالية ساعد في تأجيجها الارتفاع الملحوظ على أسعار الشقق والأبنية، والتي تعتمد بجانب منها على مكونات عدة من الخارج، شكلت حملاً إضافياً على معادلة السوق وعلى قدرة المواطن على تحملها.

ولأن الغلاء بوجهه العام يمثل أحد أوجه النمو الكلي، فإن قراءات المحلّلين الاقتصاديين لنتائج الأردن المالية، ترى في النمو حالة إيجابية وتتجاهل أسباب النمو والأسس التي بني عليها. وثمة محاولات واضحة من قبل القطاعات الاخرى لدفع عجلة النمو على مسارات اقتصادية اخرى، كالمسار الصناعي أو السياحي. غير ان امكانية نجاح تلك المحاولات تبقى موقوفة على قدرتها في التغلب على حواجز رسمتها السوق الأردنية لنفسها منذ عدد من السنين. وأكثر تلك الحواجز يتمثل في زيادة الكلفة، بالمقارنة مع بعض دول المنطقة، وجاهزية البنية التحتية لتلقي هذا النمط من المشاريع والتي لا يزال أمام الاقتصاد الأردني شوط كبير حتى يتمكن من التغلب عليها.

 


Content of this page may not be reproduced without our prior written consent (authorised pages are clearly marked with green)